صناعة اللغة

حسين المعلم

نائب  محرر

اللغة جزء أساسي من هوية الشعوب والحضارات. ولطالما كانت الحضارات تبني لغة ومصطلحات تشبهها وتشبه الطبيعة التي تحتويها. فمثلًا، المصطلحات المُستخدمة في الجبال والجرود تشبه صلابة الجبال وحتى اللهجة قد تكون قاسية وثقيلة. أما في المدن الساحلية والمناطق التي تقع في السهول، فتكون المصطلحات سهلة وليّنة واللهجة خفيفة وسلسة أكثر من لهجة أهل الجرد. وهذا الإختلاف موجود في كل أنحاء العالم بسبب تأثير الطبيعة كثيرًا على اللغة.

أما في الشق الأهم وهو استيراد المصطلحات والكلمات من الخارج، فذلك أمرٌ خطير جدًا على الشعوب إن لم تستطع الشعوب أن تلائم هذه المصطلحات مع هويتها السياسية والثقافية. وفي عالمنا الثالث، من السهل تغيير هوية الشعوب عبر تغيير الوعي الكلامي  ووعينا للمصطلحات التي نستخدمها في حياتنا اليومية. سأركز هنا على مصطلحات نستعملها عندما نتحدث عن “إسرائيل” فمثلًا بدأت تدخل كلمة دولة إسرائيل إلى قاموسنا بدلًا من الكيان الصهيوني.

تلعب الكلمات دورًا أساسيًّا في الوعي السياسي ومنها تنسج الشعوب هويتها وحدود تعاطيها مع الشعوب الأخرى. ويقع دور صنع وتنقية اللغة على الأكاديميين والجامعيين. والكثير من قراء آوتلوك يلعبون دورًا أساسيًّا في حماية هويتنا بل يشاركون في صنع لغتنا وحمايتها من التدخلات الغربية التي تسعى إلى كيّ وعينا وتغيير فهمنا لواقعنا ودورنا في المنطقة. لذلك، يجب علينا أن ننتبه لكل هذه التحديات لنقف سدًّا منيعًا في وجهها ونحافظ على ثقافتنا وشعبنا لأننا نعتبر نخبة المجتمع التي يقع على عاتقنا التنبه لكل المحاولات التي تسعى إلى محو هويتنا حتى لا نعرف من نحن وما هي المخاطر التي يجب أن نتصدى لها.

بعض الأمثلة التي دخلت إلى ثقافتنا وغيّرت في هويتنا وأثرت على فهمنا للأمور تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي مثلًا. فعلى سبيل المثال، فإن كلمة وعد تحمل أمل ومستقبل مشرق. الوعد يكون بالحسنى لا بالتهويل والثبور. فكيف نقبل ب”وعد بلفور” بدلًا من اسمه الحقيقي بالإنكليزية فلا وجود لكلمة وعد. إنما هو إعلان بلفور. فبلفور لم يعد بشيء بل قام بإعلان نوايا المملكة المتحدة بتأسيس وطن قومي لليهود مع القيام بكل ما يلزمه الأمر للمساعدة في تحقيق هذا الإعلان. الوطن هو أجمل ما يملكه الإنسان سواء أكان الوطن غرفة، أو رقعة جغرافية معينة أو العالم بأسره فالوطن هو أجمل ما يمكن للإنسان أن ينتمي إليه. ولطالما وُصف المحتلون بصفة الإحتلال أو بصفة الإستعمار. ولكن مع الصهاينة نستعمل مصطلح مستوطنة ومستوطنين وننسى أن أصل هذه الكلمات هو الوطن. فنحن بذلك نخدمهم ونجمّل صورتهم على أنهم مواطنون في وطنهم، لا مستعمرون احتلوا وطن السكان الأصليين.

فالأجدر بنا نحن، الطبقة الجامعية المتعّلمة، أن نلتفت لذلك ونسعى إلى تغيير هذه المصطلحات التي تغيير فهمنا للصراع وتغيبنا عنه. وإن لم نتنبه نحن لهذه الجزئيات، فالناس لن تلتفت لها ولن تسعى إلى تغييرها ومواجهتها. فنحن أساس أي معركة سياسية ثقافية مع العدو وتقع كل المسؤولية على عاتقنا. وإذا فشلنا فهذه المواجهة فمن المُحتّم علينا أننا سنخسر الحرب كلها في كل مراحلها وميادينها.

Leave a Reply