بين التطبّع والتطبيع

وائل عيتاني

كاتب صحفي

     أطفأت المذياع مسكتًا خالد الهبر عند عبارة “على جناح الطير أو على كتف صاروخ”. ترجّلنا من العربة. ريثما انتهيت من الترجمة، وصلنا صالة الإدارة الوطنيّة للملاحة الجويّة والفضاء حيث علّق من اصطحبني إلى المكان ساخرًا “لا يمكنك مساس هذا الصاروخ”، مشيرًا إلى اللافتة إلى جانبه.

     فوعد بلفور، الذي أعلن في مثل هذه الأيّام من عام 1917، لم يليه إعلان تشكيل دولة. بل سارع الصهاينة خلال أقل من عام، لتأسيس أولى مؤسساتهم التعليميّة، الجامعة العبريّة في القدس.

     إلّا أنّ جماعة “Resistance is existence” لا يدركون أنّ بذلك يربطون بقاءهم ببقاء ما يقاومون به. فالكيان الصهيوني، لا كما يقول النحّاب عن لسان نابوليون، أساس مشاكلنا، بل هو ثمار تخاذلنا وقطوف تخلّفنا. فنحن بحاجة إلى مشروع نهضوي قائم بذاته يهوي أمامه ما أقيم على باطل. ومن جعل الثورة والممانعة علامته التجاريّة لا يستطيع تأمين كذا مشروع. فثوب دولته لا يتسع لغير قومه وجلّ بضاعته التي يصدّرها للخارج إحتكارَ العنف.

     يقول أحد من عايشي العهد الناصري “كنّا نظن أنّه مطوّل باله عليهم، ووقت بدّه خلال خمس دقائق تكون ممسوحة. سنة السبعة وستّين، طلعنا غلطانين.” وما عادوا من وقتها متفائلين، فعندها بدأ التأريخ بالنكبة والكتابة بالإنهزام، إذ تمكّن الكيان الصهيوني من تدمير معظم عتاد العرب في وقتها. أو نظنّ أنّنا ننتصر بما استوردنا من سلاح؟

     ولكن كيف لنا أن ندين المقاومة وأراضينا لا تزال محتلّة؟ والكرسي الذي أهدانا إيّاه غورو عام 1920 يشغله من صافح الذي شهرته ما ارتكب من مجازر. فالخائن في بلادي يحاكم بحكم الطفل ذي العشر سنوات. والغريب أنّ الأخير يمضي خمس سنين في السجن قبل سماع حكم براءته. والأغرب أنّ من يقلق الصهيوني لاندلاع الثورات ضدّه هو من يمدّنا بما يصل قد يصل مداه لديمونا. أم ندرك ما في ديمونا؟ أو نظنّ أنّنا ننتصر بما استوردنا من سلاح؟

     الجامعة الوطنيّة عندنا تحتضر. والناس عندنا جوعى لكثرة ما يصرفون على أقساط التعليم، في سبيل العلم، حتّى بات الجوع أسلوب حياة بدل العلم والتعلّم. فجوع البطون لا يكفّه عنّا ما نبت في غير موضعه، وجوع الأنفس يخبّئ نفسه وراء علامات تجاريّة ومراسيم صوريّة. فهل يخبّئ المرء إصبعه إن اختبأ وراءه؟

     والممالك تتداعى، “هلمّوا لسلب ما اختزن تراب الوطن من رعود وبروق ورعود!” الفجر الثالث زلزال والخامس تخشاه القبب. إلّا أنّ الأسود تحتجز أسرى لنا كما تحتجز حيفا في ما بعدها. رحّب بالإجتياح كلّ ما نملك من أرواح ورصاص وصحون، حتّى صرّحت الدبابات “لا تطلقوا النار، لا تطلقوا النار! إنّا خارجون”. وأعدّ الأهالي الحطب لآذار، فباغتهم الشهر الذي يليه باستباحة القبور. فاستحلّ حرّاس الثورة الأجواء، واختبر الجيران بواريد الصيد. أونظنّ أنّنا شرفاء بما أرهقنا من دماء؟

     توزّع الحلوى عندنا على أبواب المدارس والجامعات. فمن لم يعبأ بالتربوي عبّأ رأسه محصول مدينة الشمس. ومحصول حقول المدينة قصّته قصة إبريق الزيت. إن إهراءات القمح يسرح فيها الحمام، فإنّ المخدّر يزحف في عقول الأنام. والحقيقة، إنّ الفرح والحزن حالات عابرة. ونحن، لا أدري، أنحاول أن ننسي أنفسنا الواقع أو نحتفي بسوداويّته؟ الأمس أطفأنا شموع كعكة عيد بلفور، وغدًا السهرة على شرف النكبة. ومن اغتال ملوكًا اغتال واستبدل، اغتال أسيادًا، فهل هو نفسه استبدلهم؟ انسحب وبقي في الجولان. ومن يتهم المحرّرين بالخنوع للعدو، ابتاع من العدوّ أوزيّ وإتهمه بالعمالة والإستسلام لأصحاب الأرض. وكأنّي أسمعه يغنّي”أيظن أني لعبة بيديه؟ أنا لا أفكر في الرجوع إليه.”

     لا ذمّة لآلات اختصرت القرارات بالحوسبة، ولكن أتنتج الأبحاث الجهل أو العلماء؟ مراكز الإستقطاب يرأسها إمبرياليّ عنيد. قارئ البصمات في هواتفنا أنتجته HP لمعتقلات الإحتلال. طوابع الشركة تطبع مقالاتنا، في حين نوازي نحن السيف بالقلم. العلم استنارة نحو طريق التحرير. والعلوم في بلادي مخصخصة زبائنها عبيد. فمن أيّ تقنيّة نستفيد؟
إذا أردت التحرّر فحيتان مال تساندك ودين بفوائد ربويّة. على المعاهد أن تعدّك لمعتركات الحياة، وأوّل العيش في بلادي الغرق في الديون. طلّاب العلا عندنا زهّاد يتبرّعون بمصاريفهم وعلى الكلمات يقتاتون. والوطن عندنا عاهد ألّا يختان الطيور. فلماذا تموت الطيور في بلادي ولماذا البشر يموتون؟ “المقاومة للعيش صمود، ونحن لا نحبّ المقاولين.” هكذا قال المعنيون.

Leave a Reply