مدينة من فلسطين: عكّا، الرمل الحار الذي يعانق مياه المتوسّط

بترا رعد

كاتبة صحفية

   تُعدّ عكّا إحدى المدن الفلسطينية الرئيسية المشرفة على الساحل السوريّ. تقع شمال فلسطين ويحدّها من الجنوب لواء حيفا وشمالًا، تمتد التلال وصولًا إلى الحدود اللبنانية الواقعة على بُعد 21 كيلومترًا. حملت المدينة عدّة أسماء. أطلق العرب على المدينة اسمها الحالي “عكّا” مستعيرين الإسم الذي أطلقه الكنعانيون “عكو” وهي تعني الرمل الحار.

   يعود تاريخ عكا إلى ما يفوق أربعة آلاف سنة (ألفي سنة قبل الميلاد). مرّ بها الكنعانيون الذين بنوا علاقات تجارية وطيدة مع مصر القديمة. تعرّضت عكا لمحاولات غزو عديدة منها ما نجح ومنها ما أخفق. وقد تداول على حكمها واحتلالها الفراعنة والآشوريون فالفرس واليونانيين (الإسكندر المقدوني)  فالروم فالعرب فالعثمانيون فالبريطانيون. (قدّمت عكا مئات الشهداء، قضوا في الثورات الإستقلالية التي خاضها الفلسطينيون ضدّ البريطانيين).

   بفعل نشاط حركة العمران، أصبحت عكا قسمين: عكا القديمة المحاطة بالأسوار، وعكا الحديثة التي شيّدت خارج الأسوار. يبلغ محيط هذه الأسوار 2580 مترًا. من المعالم الأثرية التي تشتهر بها المدينة جامع أحمد باشا الجزّار، الّذي شُيّد عام 1781. الجامع مربّع مسقوف بقبّة كبيرة، تحيط به الحدائق والأشجار. أما خان العمدان، فهو يعود إلى عام 1782 ويقع بالقرب من الميناء يحتوي على باحة داخلية محاطة بأعمدة ويسمو عند مدخله برج الساعة الذي بُني عام 1900.

   تتميّز عكا بالمناخ النموذجي للبحر الأبيض المتوسّط. فالسنة فصلان: فصل ممطر معتدل، وفصل جاف حار. يخفّف نسيم البحر من حدّة الرطوبة ويلطّف الجو. تتنوّع النباتات التي تنمو في عكا: كالنخيل، والهندباء، والخرّوب والتين كما تزدحم أشجار الزيتون في المنطقة.

   بفعل الموقع الإستراتيجي للمدينة، تتنوّع النشاطات الإقتصادية في عكا. في القطاع الزراعي، سبق وذكر تنوّع النباتات، وذلك بفعل خصوبة التربة وتنوّعها. كما يشتهر خليج عكا بالثروة السمكية وبتنوّع الأسماك. توارث أهالي عكا مهنة صيد السمك عن آبائهم والسائد عند الصيادين رمي الشباك في البحر مساءً وجرّها صباحًا. ومن شدّة ثقل وزنها، يتعاون الصيادون في سحب الشباك. في القطاع الصناعي، تتمركز حرفة صناعة الفخار شرق عكا، وصناعة النحاس في قلب المدينة، وصناعة شباك الصيد قرب الميناء القديم. في مجال المواصلات، كان خطّ حديدي ضيّق يصل عكا بحيفا، وخطّ آخر يربط بيروت بحيفا عن طريق عكا.

   على الصعيد الإجتماعي، تتميز عكا عن غيرها بإقامة الأعياد وإحياء المناسبات. خلال عيد المولد النبوي الشريف، تغصّ المدينة بالوافدين وتمتلئ مساجدها بالزوار الذين تكرّمهم الأوقاف. يبدأ الإحتفال بالعيد بالصلاة في جامع الجزار. ثمّ ينطلق موكب في مقدّمته فرق الأعلام الملونة والطبول والأبواق متّجهًا إلى بوابة البر وصولًا إلى مقام النبي صالح. أما في رأس السنة الميلادية وعيد الفصح، يتّجه بعض أهالي عكا إلى حديقة البلدية ويعسكرون تحت ظلال أشجارها ويتبادلون التبريكات بالعيد.

   إندلع إنفجار في الحازمية في لبنان يوم الثامن من تموز عام 1972. وصل دويّ الإنفجار من هناك إلى عكّا. كيف لا وإبنها غسان كنفاني قضى شهيدًا. وقد اضطرّ كنفاني إلى مغادرة مسقط رأسه عكا بعد النكبة. وقد تمّ دفنه في مسقط رأسه. تركت هذه الشخصيّة العكّاوية البارزة روايات ومؤلّفات ورسومات غنيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالواقع الفلسطيني.

Leave a Reply