Amazon: رأس المال في عصر الرقمنة

وائل عيتاني

كاتب صحفي

لم تكن اللعبة اللوحيّة، التي يتحكم النرد بتوزيع الثروات فيها، وينهيها دوما الشقاق، هي القوى الوحيدة التي أعادت صياغة

مفهوم الإحتكار  في منتصف التسعينيّات. فالليبراليّة الجديدة، التي تربّعت على عرش الأنظمة السائدة حينها حصرته برفع الأسعار على المستهلك دون تبرير. وهي جعلت المنافسة الرادع الأساسي لهذه الظاهرة. ودار التوزيع “كادبرى”، نسبة إلى العبارة السحريّة تأسست حينها مع طموح جعلنا نعيد النظر في تعريفنا للإحتكار. باتت شركة كادبرى، أو أمازون كما نعرفها اليوم، تطرح أكثر من ثلاثمئة وخمسين منتجًا مختلفًا، بحسب ما يذكر ميشال كورن في مقال عنوانه “هناك سوابق لمنافسة أمازون مع هذا الكم من الشركات. لا ينتهي الأمر على خير”
جعلها تستحق عبارة “أوسع تشكيلة على وجه الأرض” التي تزيّن صفحتها بعد أن ما عادت تقتصر الأخيرة على الكتب.

تكاثرت المقالات الصحفيّة ضدّ أمازون بين سنتي 2014 و2015 وتوّجه المرشّح الرئاسي آنذاك، دونالد ترامب، باتهامه إيّاها بالإحتكار والتهرّب الضريبي. ثمّ عاودت لتظهر بعد أن استملكت الشركة هول فودز ماركت خالقةً بلبلة في سوق البقالة. ويبقى السؤال، ما هو رأس مال شركة بالكاد تسجّل أرباحًا بالنسبة إلى قيمتها؟

يذكر جاستن فوكس في مقاله لهارفرد بزنس ريفيو، أنّ فحوى سياسة أمازون الماليّة هو الإستثمار بتطوير ذاتها دون الحاجة للإستدانة أو زيادة الأسهم المطروحة. والسرعة في إدارة المخزون تمكّنها من امتلاك هذا الكم النقدي. ويشير فوكس إلى أنّ هذا يأتي على حساب علاقتها بالمورّدين الذين يشتكون من تأخّر مستحقاتهم بمعدّل ثلاثة أشهر. إلّا أنّ ذلك لن يكون عائقًا مع استمرار الشركة بإنشاء علامات تجاريّة “سريّة” تمتلكها هي وتسوّقها عبر قنواتها فقط.

والحقيقة أنّ المستثمرين قد ينفذ صبرهم قبل المورّدين مع أرباح دائمة التخبّط رغم نمو العائدات. ونلحظ هذا التخبّط بمراجعة الرسم البياني للمؤشرين وفق ما نشرته الشركة. فالمستقبل الذي تعدّ له الشركة قد لا يأتي بتاتًا وفق المحلّل لدى شبكة رويترز الإخبارية، جفري جولدفارب. أو، على حدّ تعبيره، لعبة أمازون قد تكون لانهائية كما هي اللعبة اللوحيّة.

فكيف لشركة أن تحتكر سوقًا وهي بالكاد تحقّق أرباحًا، وحتّى أنّ رئيس مجلس إدارتها اضطر لنفي إتهامات بأنّه يدير مؤسسة خيريّة لا ربحيّة في مخاطبته للمستثمرين عام 2013. وهو حينها أفصح عن رأس مال الشركة بقوله:”إسعاد الزبائن بشكل إستباقي يكسب ثقتهم، ويكسب زبائن جدد من خلالهم حتّى في المجالات الجديدة”. وتابع في ما نقله عنه موقع أول:”خذوا نظرة طويلة الأمد، فتستقيم مصالح الزبائن مع مصالح المساهمين.”

فإذا كانت أمازون تحتكر شيئًا فهو إنتباه العملاء. وهي التي سجّلت براءة إختراع لتقنيّة التسوّق بكبسة زر واحدة التي تشتهر بها، وأخريات عديدة، لا سيّما في مجال الذكاء الإصطناعي، كالشحن الإستباقي الذي يساعدها في تلبية طلبات الزبائن قبل أن يطلبوا. وذلك الأمر ليس ببعيد إذ تمكّن المتجر العملاق من نصح إحدى الزبائن بشراء لوازم الحمل قبل أن تعرف هي بحملها. فالسهولة التي توفّرها أمازون لعملائها أهمّ ذخر لها، حتّى أنّها تقدّم تعويضات مالية لبضائع تتوقّع أن يرجعها من بيعها كما يذكر المصدر نفسه.

في رسالة وجّهها بيزس للمساهمين في نيسان الفائت، أوضح رئيس مجلس الإدارة أنّ أمازون لا تزال في يومها الأوّل، والعالم الخارجي وقلّة القدرة على تقبّل المستجدات هو ما قد يدفع الشركة نحو يومها الثاني. وفي ذات الرسالة، أوضح المنحى الثلاثي الذي تتخذه الشركة نحو في موضوع الذكاء الإصطناعي. فهي تستخدمه في المنتجات والخدمات الأماميّة التي تقابل الزبائن كأليكسا، المساعد الإفتراضي الذي أطلقته الشركة، الطائرات بدون طيّار التي تنوي الشركة استخدامها في توصيل البضائع بعد أن تمكّنت من إتمام طلبيّة بيتزا في غضون 13 دقيقة خلال التجربة، والسوق المستقبلي الذي أجّل إطلاقه من آذار الماضي حسب موقع كوارتز، وهو قائم على متابعة ما يأخذه المتبضّع عن الرفوف بدل عمليّة الدفع عند الصندوق.

إضافةً إلى ذلك، فالذكاء الإصطناعي يدخل في ما وراء الكواليس للمتجر الرقمي الذي هو أساس أعمال الشركة. فوفق بيزس، هو أساس توقّع الطلب على البضائع، ومؤشرات البحث لها، واستحداث التخفيضات، ونصح الزبائن حول المنتجات، وحتّى كشف الإحتيال. وما لا يذكره في خطابه هو دور الروبوتات في إدارة مخازن الشركة. وكلّ هذا لا يمكن أن يقوم دون خوادم البيانات التي تملكها الشركة والتي تستخدمها الشركة وتؤجّر مساحات فيها، متيحةً للشركات فرصة التحرّر من المعدّات إلى السحابة الرقميّة واستخدام خوارزميتها الجاهزة في مجال الذكاء الإصطناعي. وعلى حدّ قول بيزس، هذا يتيح للمزارعين إستباق الأوبئة وتقدير المحصول دون أيّ خبرة في الحوسبة.

إلّا أنّ ما يمكّن العملاق، الذي ينافس 129 شركة كبرى في أسواقه الأساسيّة بأقل تقدير، من الإستفادة من أحدث التقنيات المذكورة هو ما يمتلكه من مزيج متناغم من بيانات الزبائن الشخصيّة والبنى التحتيّة اللوجستيّة. والعملاق بدأ يشابه عملاقة القرن الماضي، أو الكتل المترامية الأطراف وفق مصطلح كوسومانو، وهو باحث في معهد ماساتشوسيتس للتقنيّة. ويعبّر الأخير عن قلقه تجاه سياسة النمو التي ينتهجها بيزس منذ تأسيسه الشركة. فالأمثلة التاريخيّة، كجينيرال إلكتريك، تشير، كما يقول، إلى أنّ شركات بهذه الضخامة ينتهي بها المطاف لتكون مرآة مضخّمة للأداء الإقتصادي الوطني أو حتّى العالمي. إلّا البروفسور في ستانفورد، وهو الذي أمضى أكثر من قرن في مجلس إدارة جينيرال إلكتريك وإنتل، سيغل يقول أنّ التاريخ لم يشهد مثيل لأمازون، فهي تملك بيانات “حميمة” تستطيع من خلالها الدمج بين الواقعي والرقمي كما لم يسبق للعالم أن يرى. وهذا ما جعل من مؤشّر السعر للأرباح للشركة يفوق ال20,0000% كما يذكر كورين.

أمازون اليوم تعيد المسرحيّة التي أدّتها في قطاع النشر والتوزيع. فهي دخلت كلاعب هامشي وخفّضت الأرباح وحتّى تكبّدت الخسائر لكسر المنافسة حتّى باتت هي من تسعّر قيمة السوق ويتهمّها المؤلفون بالإحتكار الثقافي كما ينقل موقع ذي نيو يوركر. وهي بشرائها هول فودز بعثت موجة صادمة في قطاع البقالة.  وهي إذ خفّضت أسعار البضائع عند الأخير قرابة 43% بعد استملاكه لها، تؤكّد ما طرحه أليكس شيبارد في مدوّنته في نيو رببليك، وهو أنّ أمازون لا تسعى لإحتكار سوق بل إحتكار القطاع التجاري بحدّ ذاته.

بحسب كورين، فإنّ قوانين عدم الثقة التي تمنع الإحتكار التجاري مبنيّة على مفهوم إيذاء الزبائن. وقد تمكّنت الشركة من تفادي إتهامات وجّهت لها من خلال الإشارة إلى ما تحدثه من خفض أسعار في القطاعات التي تدخلها. والحقيقة أنّ جعل التبضّع في أيّ مكان سوى مواقعها، الرقميّة أو الصلبة، مكلّف أكثر من التبضّع عندها هو في صلب سياستها. وهي بذلك تحكم قبضتها حول رقابة الزبائن حتّى إذا ما أصبحت حديديّة أمست تقلّل من جودة البضائع في السوق وتنوّعها، يحتضر في حضرتها الإبتكار ويخضع لها زمام التسعير.

إذا كانت الشركات التقنيّة التي كانت تعتبر في العقد الماضي ناشئة هي مؤشّر إنقضاء عصر الشركات الناشئة، هل الشركة التي ارتبط اسمها بالإبتكار في قطاع التسويق هي نفسها مؤشر على إختناق القطاع تحت وطأتها؟ هل تنضم أمازون إلى العريضة التي تطالب بتأميم غيرها من العملاقة كغوغل وفايسبوك؟

 

Leave a Reply