لكل زمن استقلال

هادي عبيد

محرر قسم قضايا وآراء

           يصادف نهار الأربعاء في الثاني والعشرين من تشرين الثاني، الذكرى الرابعة والسبعين للاستقلال والذي حصل عليه اللبنانيين بعد التحرر من  المنتدب الفرنسي آنذاك بعد ما اعتقل المفوض السامي الفرنسي بشارة الخوري ورياض الصلح وبعض الوزراء والشخصيات البارزة في قلعة راشيا. والغريب في الأمر أن الأمر نفسه يحدث الان: رئيس الحكومة يستقيل قسرًا بعد دعوته إلى قلعة راشيا، أو ما يوازيها في أرض الخير. فما هي أوجه الشبه بين استقلال الأمس واستقلال اليوم؟

      بين ما يحدث الآن وما حدث في عام 1943 شبه كبير يعكس ركاكة الموقف السياسي اللبناني المستقل. حيث تبدأ حكاية استقلال 1943 عندما فاز بشارة الخوري بالإنتخابات الرئاسية وألف حكومة برئاسة رياض الصلح سعت نحو الاستقلال بتعديل الدستور الأمر الذي أغضب المفوض السامي الفرنسي في لبنان. بعودة سريعة إلى الوراء، بعيد إنتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، سعى لأن يكون همزة الوصل بين مختلف أطياف الوطن. لذلك عمد إلى إيجاد تسوية تضمن حقوق الجميع وتحافظ على التمثيل المتوازن للجميع. فعين بذلك الرئيس سعد الحريري رئيسًا للحكومة على أن يشكل حكومة وطنية جامعة الأمر الذي حصل. ومنذ تشكيل الحكومة دخل لبنان مرحلة جديدة من الإستقرار الأمني والإقتصادي ترافق مع تحسن الوضع السياحي. ولعل الوضع لبنان الموحد نسبيًّا لم يتلاءم مع أفكار “المفوض السامي الجديد” على لبنان، فسعى إلى افتعال النعرات ودس الدسائس عبر وسائله الإعلامية وجيشه الإلكتروني على وسائل التواصل الإجتماعي. وعندما وجد نفسه عاجزًا عن تحقيق رؤيته في المنطقة بعد الصفعات المتتالية التي تلقاها، استعمل حيلة من كتب التاريخ: قلعة راشيا.

     عندما نأتي للمقارنة، إن قلعة راشيا ما عادت معلمًا أثريًّا فحسب، بل أصبحت أيقونة للكبت السياسي والتدخل الأجنبي السافر في الشؤون اللبنانية الداخلية. فستبقى كذلك طالما أننا نسمح لأنفسنا بأن نذل ونخضع ونسلم رقابنا إلى ممالك ودول ترى بلدنا الصغير، مشروعًا لبسط نفوذها ولسياساتها الإقليمية الملتوية.

     بعد اعتقال بشارة الخوري ورياض الصلح، غضب الشارع اللبناني بتواضع، وضغط على المحتل الفرنسي بتواضع. فتواضع الفرنسيون وخرجوا من لبنان معلنين استقلاله بعد الحفاظ على نفوذهم السياسي والإقتصادي فيه. اعتقد ان المقارنة مع يومنا الحالي تبدو جلية وواضحة.

     الغريب في استقلالنا على مر التاريخ، أنه وفي كل مرة نذل على يد جهة خارجية، نعود وتعطينا تلك الجهة نفسها الاستقلال بعد أن تنفذ كل مخططاتها ومشاريعها. ثم نعود ونخرج مزهوين بالإنتصار العظيم الذي حققناه، وتحتفل معنا تلك الجهات أيضًا.

     من المعيب أن تستدعي من فترة إلى أخرى شخصيات سياسية لبنانية إلى قلعة راشيا أو ما يوازيها في أرض الخير وتوضع تحت الإقامة الجبرية  لحين تحقيق مبتغاها لتعطينا بعدها استقلالًا. لماذا نحتفل باستقلال مزيف إذ كنا سنشهد استقلالًا مشابها عما قريب؟ ولماذا نحتفل بإنتصارات حقيقية إذا كان لدينا هذه الإنجازات الجبارة؟

     في هذه السنة كان هناك تحرير واحد وهو ليس خروج رئيس وزرائنا من الأسر، بل هو تحرير الجرود اللبنانية. والذي هو بالمناسبة الاستقلال الفعلي الثاني في لبنان بعد اندحار الجيش الصهيوني من لبنان في أيار 2000. هذه المناسبات هي ما يصنع الفخر لأمتنا، عندما امتزجت دماء اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف للدفاع عن الحرية والسيادة والاستقلال. لتهدم قلعة راشيا أو ما يوازيها في أرض الخير وما تمثله ولنخرج من ظل الدول والممالك التي عاثت فسادًا  ما يكفي في أرضنا ولنرى إن استقلال وطننا الحقيقي لا يكون إلا بالتضحيات العظام التي تبذل في أرضه. لكم استقلالكم ولي استقلالي.

Leave a Reply