في موزاييك الأمريكية الثقافي

محمد الموسوي 

المحرر

      لطالما كانت الجامعة الأمريكية في بيروت منارة تربوية جذبت الكثير من الطلاب من منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وسواها من دول العالم. ساعد ذلك في خلق “موزاييك” ثقافي فريد في تنوعه وساهم في إغناء التجربة التربوية لأي طالب ارتأى ارتياد الجامعة الأمريكية . فقد مدت الجامعة عبر تاريخها الطويل جسور التواصل بين مختلف الجنسيات التي يحتويها الحرم الجامعي. مكّن ما سبق هذه المؤسسة من خلق هوية تربوية ثقاقية واجتماعية خاصة وعابرة للحدود الجغرافية للدول وبروتوكولاتها.

     ليس من الصعب أن تلمس هذا التنوع الثقافي وحتى الفكري داخل الحرم الجامعي. فتراه واضح المعالم والتأثير على مختلف الصعد. فمذ تدخل الـ’Main Gate” تتناهى إلى مسامعك لهجات متنوعة من فلسطينية، أردنية، خليجية و سورية إلى جانب اللهجة المحلية اللبنانية التي هي عينها ذات ألوان مختلفة. كما ينعكس هذا التنوع الثقافي والفكري في الحوارات الجانبية للطلاب في استراحاتهم بعد نهارهم الطويل. فتراهم يتناقشون حول الكثير من القضايا التي تتراوح في أبعادها من المجتمعية -الوطنية والسياسات المحلية إلى ما يعصف في المنطقة من أزمات ومشاكل.

    كما ترسّخ هذا التنوع الفريد والخلاق في الأندية الطلابية التي تضفي للحياة التربوية الأكاديمية صبغة مجتمعية ثقافية ينخرط عبرها الطالب في نشاطات بناءة تغني تجربته الفكرية والحضارية. وتلعب هذه الأندية دورا جوهرياً  محورياً في تسليط الضوء على المخزون الثقافي للهويات الوطنية المتنوعة  المتواجدة تحت قبة الجامعة الأمريكية. هذا وتعرّف الطلاب على العادات والتقاليد المكرّسة في ثقافات تلك الشعوب عبر نشاطات متنوّعة.

    ساهمت الأندية الجامعية في إضفاء الصبغة الثقافية الفكرية على النموذج التربوي الأكاديمي الليبرالي الذي انتهجته الجامعة و كرّسته في رسالتها وسياساتها. فالأندية انطلقت كتكتلات ثقافية وُحدت في إطارها جهود مجموعة من الطلاب الذين إما ينتمون للقضية الفكرية عينها، أو يتشاطرون الهموم والمشاكل نفسها، أو ينطقون باللسان ذاته أو ينتمون لهوية وطنية وقومية واحدة أو يعبرون عن فكرة أو عقيدة سياسية ذاتها. وما كانت هذه الأندية إلا انعكاساً طبيعياً وتلقائياً للتنوع الثقافي والفكري الذي يحكم واقع حال الجامعة وطلابها. تسعى الأندية عبر نشاطاتها المختلفة الى تعريف طلاب الجامعة على الأبعاد الثقافية والقيمية والتقاليد المجتمعية الخاصة التي تميّز هويتهم الوطنية .فها هو النادي الثقافي الفلسطيني يجهد في إبراز انتمائه للقضية الفلسطينية ويعمل دوماً على إظهار ثراء الهوية الفلسطينية على الصعيد الفكري والثقافي من خلال تسليط الضوء على التقاليد والعادات الفلسطينية في محاولة ناجحة من القيمين على النادي أن تبقى فلسطين :”الحق و القضية ” حية في الذاكرة المجتمعية المشتركة للطلاب العرب وسواهم من مرتادي الجامعة الأمريكية.

     هذا ولا بد أن يستوقفك النادي الثقافي الأردني الذي عُرِف بليلته الأردنية التقليدية المتميزة. وقد ساهمت هذه الليلة في إبراز جانب مجهول من العرف التقليدي الأردني ألا وهو الموسيقى الأردنية التقليدية و الدبكة الأردنية المتميزة عن سواها من الرقصات والكبسة الأردنية -إحدى أهم الأطباق على الطاولة الأردنية التقليدية.

     ومن الأندية التي لاقت نجاحاً غير مألوف : نادي الدبكة. تمكّن النادي من إحياء تراث ثقافي تقليدي لطالما امتازت به الهوية اللبنانية خاصة والمشرقية على العموم. فقد ساعد النادي في فتح العيون على تقليد كاد أن ينقرض و يضمحل في شتات خبايا النسيان حاله كحال سواه من معالم الفلكلور اللبناني.

    إن التنوع الثقافي والفكري الذي يطغى على يوميات الجامعة الأمريكية أضحى جزءاً لا يتجزأ من واقعها وحقيقتها .كما أنه أثبت مراراً وتكراراً في أنه الورقة الرابحة أو “الجوكر” الذي تراهن عليه الجامعة في سياستها التربوية وسياساتها الأكاديمية. أثرى هذا التفاوت الثقافي الاجتماعي التجربة التربوية للجامعة الأمريكية وجعل منها ميداناً للتلاقح الثقافي نَتَج عنه إبداع عمره مئة وخمسين عاماً.

Leave a Reply