من أنت يا حمص؟

سارة ديب

كاتبة مساهمة

     حمص، أنت تلك الصورة الكامنة خلف عيناي، يأتي ذكراك كلما حل عليَّ الليل، خلف الذكرى طفولة والحياة. من أنت؟

أنت التي جاءها زكي قنصل لاهفًا، تغرب جسدًا وبقي فيها روحٌ.

     أنت التي قال عنك جوزيف حرب “ما من شاعرٍ يستحق أن يكون شاعرًا ما لم تعترف به حمص”. أي أهمية أعطاك؟

 أنت التي اعتبرها حسني غراب فلذة كبده. ومَن غير الولد فلذة كبد؟

     أنت التي كانت عشيقة نصر سمعان. هو الذي اختارك موضع هواه. فكم فاتنة أنت؟

     أنت أمّ ذاك الشعب الأبيّ الذي استجنّ كي لا تُسحق أرضه وما زال يرسم بسمة استجنان في نفوسنا كل أربعاء.

مرّ بك الرومانيون والعباسيون والسلاجقة والمماليك والعثمانيون وبقيت أنت، بقيت تلك المدينة الشامخة. بقيت أم الحضارات.

     آذان جوامعك وأجراس كنائسك وبهجة أعيادك، جميعها غرست داخلي ذاك اللحن العذب. نعم، إنّي أحنّ…  أتحنّين إلى الجدران؟ إلى الحجارة؟ إلى الأشياء الفانية؟

     لا… بل أحن إلى الطفولة المنسية خلف تلك الجدران وإلى العصفور الداشر وإلى حياة داخل حياة…

      آه…

     من أنت يا حمص؟ كيف علقتني بك؟ لقد تركتُ قطعة من نفسي في كل جزء من جوامعك وقلعتك وأسواقك ومتاجرك ومطاعمك وحتى شوارعك. ذكراك في قلبي، في روحي.

     لعبتي صرخت: “عودي”. أدرت وجهي ورحلت بعيدًا، وتمتمت دامعةً كيف لي أن أعود ومن أتاني إليك ذهب ولن يعود؟ أنت ذكرى ذاك الشاب الذي مضى أربعينيًّا وشببتم سويًّا ومُتّم سويًّا، وأُحييتم في قلبي سويًّا…

     حمص، لا أريد رؤية ملامحك بعدما تغيرت، فيرفض عقلي استيعاب رؤياك مجددًا بحلة جديدة، حلة غبار ورماد، وما زلت في نظري صبية تينع زهرًا، وتقوى المواجهة، وتجذب الألباب، لم تهرمي! أنت في عيني لم تهرمي…

Leave a Reply