التضييق على الإعلام في لبنان يتجاوز الخطوط الحمراء

رحاب قطيش

كاتبة صحافيّة

         لطالما كان الإعلام يمثل السلطة الرابعة في لبنان، فهل يمكن لهذا التمثيل أن يتغير أو يتقلّب؟ هذه الحرية التي اشتهر بها لبنان كبلد سيادي ديمقراطي أمست تتعرّض لتهديدات مصيريّة خلال القرن الحالي، حيث تراجعت حرية الصحافة والإعلام بشكل ملحوظ. ولا شك أن ما تشهده المنطقة من تعقيدات ومشاكل سياسية ترك تأثيرًا كبيرًا في هذا الميدان.

 منذ ثلاثة أسابيع، استفاق اللبنانيون على خبر تعرض  الإعلامي اللبناني هشام حداد لدعوة قضائية بسبب افتراءات حول ما تناولته أولى حلقات برنامجه لسنة ٢٠١٨ “لهون وبس.” المدعي العام التمييزي ادعى على حداد على خلفية تطرّقه لولي العهد السعودي، وعلى خلفيات نشر حداد مقطع فيديو لرئيس الحكومة خلال  ليلة رأس السنة في وسط بيروت، ونقاشه الهزلي تجاه الموضوعين.  بعد ذلك، احيلت هذه القضية على محكمة المطبوعات وفقاً للمادة ٢٣ من قانون المطبوعات. أن هذه الدعوة عالقة الآن أمام المحكمة إنطلاقا من  أنه لم يلاحظ أي جرم في مضمون الحلقة للمعاقبة. والمادة ٢٣ التي ادعوا على حداد بموجبها  تتناول جرم المس بكرامة الرؤساء.

 انّ السؤال هنا يكمن في مصدر الإدّعاء. لقد صرحت مصادر سعودية أن لا علاقة بتاتاً للمملكة أو للسفارة السعودية، لا من قريب ولا من بعيد، في قضية حداد. وصرح أيضاً وزير العدل، أنه لم يحرّك النيابة العامة في وجهه، بل أنّ القرار كان من قبل النائب العام التمييزي بالادعاء. فمن هو رأس الدعوى الأساسي إذاً؟  بعد كل ما حدث وفي ليلة الثلاثاء ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٨، أطلّ هشام حداد  للرد بقوة والدفاع عن نفسه وحقه الإعلامي، تفاعل الناس بأيجابيّة واهتمام  مع  حلقته على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، حيث دخل بلباس المساجين، وبدأ نقده، فعبّر ببالغ الذكاء والعفوية والسخرية، واستعان بالنقد الهزلي، والإشارة والتلميح.

بعد يومين من عرض هذه الحلقة,  أي يوم الخميس ١ شباط ٢٠١٨، تعرض هشام حداد لدعوة أخرى من مجلس القضاء الأعلى، حيث اتهموه بالمس بكرامة السلطة القضائية، وتعرضه لشخص النائب العام لدى محكمة التمييز، حيث قام بتقليد دوره القانوني. فقررت المحكمة أنه لا يمكن التهاون مع هذا التعرض الذي يتوجه للسلطة القضائية. ها قد بدأت حرب السلطات، بين إعلامية وقضائية!

 لا شك أن هيبة وسمعة القضاء اللبناني قد تزعزعت، لذلك قررت النيابة العامة التمييزية  تحريك دعوى الحق العام  تجاه ما فعله هشام حداد.  لا يمكننا القول إلا أن كل ما يحصل مؤخراً من زعزعات إعلامية ومناوشات ومؤامرات سياسية هي فقط خطة إلهاء اللبنانيين في مواضيع وافتراءات سخيفة، وطبعاً بهدف تعطيل عملية الإنتخابات النيابية في ايار ٢٠١٨. ولا بدّ للمتأمّل في حال إعلامنا أن يلحظ طغيان الهزل والسخرية، في محاولة للوصول إلى صلب عيش المواطنين وتجسيد همومهم ورسم البسمة على وجوههم، وإن كان ذلك في معالجة مواضيع بنيويّة وطنيّة بامتياز. ففي مقدّمة ابن خلدون، وهو يعتبر أحد منظري مدرسة الدولة المدنيّة الروّاد، نجد توصيفاً مقتضباً للحال بقوله: “إذا رأيت الناس تُكثر الكلام المُضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أقبع عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يساق للموت وهو مخمور”.

Leave a Reply