بين قوانين الحماية … والعنف السائب

ريم العلبي

كاتبة صحفيّة

يقول المفكر المصري مصطفى حجازي بأن الأسرة تقدم الهوية الأسرية لمن لا هوية مهنية أو علمية أو فردية له. من ليس لديه سبب ومصدر للاعتزاز الذاتي يعتز باسم أسرته. ومن عجز عن الحصول على مكانة مرموقة من خلال الانتماء إلى المؤسسات الاجتماعية يفخر بمكانة ما في أسرته وضمن عشيرته. لطالما كانت الأسرة الملجأ الآمن لكل فرد من مشاكل وضغوطات الحياة اليومية، والبر الآمن الذي يلجأ إليه حين تتآمر عليه الحياة ويعجز أن يجابهها وحيداً. إلا أن ما تسطّره صفحات الجرائد والعنواين الرئيسية للأخبار منافٍ للمفهوم والمعنى الحقيقي للأسرة. إذ أن قضايا العنف الأسري تطغى على مسامعنا يومياً وتضعنا في واقع مفاده أن ضحايا العنف الأسري تزداد رويداً رويداً في الشارع اللبناني.

لقد مضت  أربع سنوات على إقرار مشروع القانون الرامي إلى حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري وقد تم إقراره في الأول من أيار، والذي يفرض عدة عقوبات تترواح ما بين السجن ودفع غرامات مالية وفقا للجرم المرتكب . إلا أن قائمة الضحايا تزداد يوماً بعد يوم وتعجز الحقوق الإنسانية والقوانين الدولية عن إيقاف هذا العنف وعن صون وحفظ حقوق وكيان الأفراد. و قد تعددت أساليب العنف التي تنتهي إما بالقتل أو المعاناة من الآلام المبرحة على أسرة المستشفيات. رولا يعقوب التي ترقد تحت التراب بعد انفجار في الرأس نتيجةً لتلقي الضرب المبرح من زوجها، و زهراء القبوط التي أُزهقت روحها بأربع طلقات على يد طليقها, وملاك المقدد التي فارقت الحياة والسكين على خاصرتها مغروزة بلا رحمة. وأيضاً، منذ أيام قليلة شهد برنامج للنشر التلفزيوني آخر ضحايا العنف الأسري، أماني، التي دفعت السلاح بقوة عن قلبها قبل تلقّي طلقة الموت بعد الأولى في فخذها من زوجها السابق. معاناة أخرى صرحت بها أماني على التلفاز مباشرة ساعية لتحقيق العدالة لها ولكل ضحية أخرى أمام أعين السلطات و الرأي العام. لقد آن الآوان لردع هذا الظلم الطاغي الذي بات يسرق منا الأم والابنة والصديقة بعد أن أشارت الإحصائيات إلى أن المرأة هي الأكثر تعرضاً للتعنيف في الأسرة.

إن العنف الأسري يغير مفهوم العائلة والأسرة الحامية التي تشكل حصناً منيعاً من الاعتدائات الخارجية إلى الأسرة التي تتجرد من كل مفاهيم الإنسانية وترى للقتل أعذارا مبتذلة وبخسة. إن العنف الأسري في لبنان ظاهرة تستبد بين أسرنا وتستدعي الضمائر الإنسانية للوقوف أمامها ومجابهتها في التحديات الراهنة. كما أن وسائل الإعلام تفتح أبوابها لتنقل وتبث كل قضية متعلقة بالعنف الأسري من أجل تفعيل القوانين القاضية بحماية الأفراد ليس فقط إقرارها والتصديق عليها بورقٍ وحبر، و أيضاً من أجل إيقاظ الرأي العام العامل الأكبر في تغيير مسار القضايا ومعاقبة المجرمين بحق أسرهم. فهنا لبنان بلد ديمقراطي وواعٍ لحقوقه، لذلك إن لم تسعى القوانين لتحقيق العدالة فعلينا نحن كشعب و أسرة واحدة ان نكافح من أجل حقوقنا وحماية المستضعفين منّا.

Leave a Reply