قصة أسير فلسطيني: “محمد نهاد الحشاش”

روان البتلوني

 المحرر

هي ليلة ظلماء انتهزها خفافيش اللّيل كعادتهم للغدر بمن هزّ امبراطوريتهم الواهية، وغرس سكين الحريّة في قلب فرد من عصابتهم. ليلة تلت تلك التي أُرسل فيها الجنديّ القتيل الى جحيم الآخرة، بعدما بطش  ونكّل بمن هم على أرض ليست له. دوريّة إسرائيلية قوامها عشرةٌ من جنود الإحتلال، داهمت منزل صاحب الأرض الذي كان بفضل ظلمهم لاجأً في أحد مخيمات الشرف، و بالتحديد”مخيّم البريج” وسط قطاع غزة. مخيّم شبَّ أهله على حب الوطن، نهلوا فيه من عبير الحريّة و الصمود، وارتشفوا المقاومة فيه مع الحليب. في عرين الأبطال هذا، داس الجنود عتبة الأسير “محمد نهاد الحشاش”، داهموا منزله كالوحوش الضارية، وعبّروا عن حضارتهم الهابطة داخل جدرانه، ناشرين الفوضى و الخراب في داخله. نعم، أُلقي القبض على محمد، فسار مع الجنود برأس مرفوع و بخطاً ثابتة الى ما يسمونه “المسلخ”. مسلخهم هذا كان بالنسبة لهم قفصاً للتعذيب و الترويع، كيف لا، وهم اللّذين قامت حضارتهم المزعومة على الترهيب والقتل و التدمير. بالنسبة لمحمد الذي كان يتحضّر ليعيش مرّ بطشهم داخل أسوار مسلخهم، كانت الحادثة هذه وساماً يعلّقه على صدره، كيف لا، وهو صاحب الحق الذي يوشك أن يسطر اسمه بجانب أترابه على صفحات النضال و الكفاح. “شعرت بأنني أحمل كاهل الوطن على ظهري…فأنا لست أفضل ممن وهبوا حياتهم كلّها فداءً للوطن، فدعوت الله أن يلهمني و أهلي الصبر على ما كتبه لنا القدر ” يقول محمد…

داخل أسوار السجن هذا، تعرض محمد ورفاق قضيّته الى المضايقات والاعتداءات سواء المعنويّة أو الجسديّة. مَنعت ادارة السجن الزيارات تارة، أجلتها تارةً أخرى، وفي أغلب الأحيان اقتصرت على الأمّ وحدها لمدة لا تتجاوز الثلاثين دقيقة. وُضع محمد خلال فترة سجنه لأيام طويلة في زنزانة العزل الإنفرادي، زنزانةٌ كانت له أشبه بقمّة الهرم من حيث العذاب. هناك، خلف قضبانها تُرك محمد وحيداً ليسترجع ذكريات الماضي، طفولته و شبابه اللّذان توقف الزمن عندهما في ليلة موحشة، أربعٌ وعشرون ساعة وجهاً لوجهٍ مع جدران اسمنتيّة حالت بينه وبين نسائم فلسطين و ترابها، بينه وبين أحبّة قد يخرج يوماً ليضع الورود البيضاء فوق قبورهم و يتنهد بغصة. أبى الأسير الرابظ في باحة السجن أن ينصاع لرغبات الجلاد، حتى في ظروفه تلك، حاول و أقرانه من الأحرار فرض شروطهم والسير في الطريق الذي ولدوا لأجله، وأطعموا للزمن شبابهم في سبيله. لقد وقفوا كما اعتادوا دائماً صفاً واحداً وبروح واحدة بوجه سجانهم بأمعاء خاوية ليثبتوا من جديد أن الكبرياء فيهم لا يمكن أن ينكسر، وأن رباطة جأشهم أقوى وأمتن من قلاع العدوّ وتحصيناته وزنزاناته.  هم رفعوا الصوت مراراً وتكراراً لتحسين ظروفهم الحياتية و في كل الأوقات نجحوا..حاول السجّان كثيراً أن يحوّل البراكين الهائجة داخل أقفاصه الى عملاء خانعة خارجها، فهو لم ينفك يوماً يساوم من في الأسر ويفاوضهم على الحريّة مقابل العمل معه، عَرض عليهم المال، الإستشفاءَ لأحد أقاربهم، الإفراج عنهم، وغيرها الكثير الكثير، “غريب حال أولئك الأنذال” يقول محمد… لكن الذنب ليس ذنبهم، هم لم يكن لهم يوماً أرضاً ينتمون إليها، هم قوم بلا تاريخ، اعتادوا التشرد و رضيوا ببناء مستعمرة اشتراهم بها الغرب بعد أن فتك بشعبهم في غابر الأزمان… “نحن لسنا مثلهم” يتابع محمد.

وهكذا مرَّ عقدان من الزمن على الشاب الذي خرج كهلاً من بين براثن صعاليك الحديد و النار. خرج كما دخل، رافع الرأس، وكلّه فخر بمجاهدين ومقاومين رفعوا راية الكفاح في غيابه. وكم كانت فرحته كبيرة يوم نجحت المقاومة في غزة في خطف الجندي “جلعاد شاليط” كما و بالمقاومة اللّبنانيّة وعملياتها على الحدود. “كانت هذه الأخبار تعيد جرعةً من الأمل أراها تتوهج في عيون الأسرى جميعاً لتدفعهم إلى الثبات والصبر على ما هم فيه من ألم” يؤكد محمد.

داس محمد نهاد الحشاش أرض غزّة مرّة جديدة وفي رزنامة أيامه نصف قرن من الجهاد، خرج ليعود لفلسطينه التي يعشق. استُقبل  بين أهله استقبال الأبطال الذي يستحق، و سار والأشواق تختنق في صدره، الى جبانة المدينة، وفي يده ورود بيضاء، تماماً كما بدا له المشهد داخل سجنه الانفرادي ذات يوم. مرّ بقبور أقارب و أصدقاء إمّا استشهدوا خلال حرب غزة مؤخراً أو خانتهم سنوات محمد العشرين، وحالت دون وجودهم بقربه. وصل الى مدفن أمّه و ركع أمام ترابه.. نظر اليه بحسرة، وبرفق نثر الورود البيضاء فوق ضريحها الطاهر، مشى محمد بعدها نحو غزة من جديد، وفي قلبه طبول حرب أقسمت أن تظلّ كذلك حتى الشهادة على مذبح الوطن “فلسطين”.

Leave a Reply