قصر موسى بلا موسى

أحمد عرابي

محرّر قسم الأخبار

   رحل موسى المعماري يوم الأربعاء في 31 كانون الثاني عن عمر يناهز ال 87 عاما تاركا ورائه قصرا ما فتئ يتحدّث عن جماله كل من زاره. أحدث وفاته موجة من الحزن في كل المناطق اللبنانيّة عامّة وفي منطقة الشوف خاصّة التي تحتضن القصر الذي تغنّى فيه الكثير وتحدثوا عنه لعقود.

   نعى الكثير من اللبنانيين موت المعماري، الّا أن أبرزها هو تويت للنائب وليد جنبلاط قال فيه: “فقد لبنان وفقدت منطقة الشوف فنّانا معماريّا نادرا، ألا وهو موسى المعماري. لقد بنى قلعته وزيّنها على مدى سنوات طوال وحقّق بذلك حلم حياته، فكانت مقصدا لجميع اللّبنانيين والسيّاح من كل حدب وصوب. كم نحن بحاجة الى أمثالك يا معلّم موسى لنبني لبنانا جديدا صلبا مثل قلعتك. رحمك اللّه”.

   تعود أصول موسى المعماري إلى «حارة السرايا» المتاخمة لأسوار قلعة الحصن في محافظة حمص السوريّة. اشتهرت عائلته يتوارثها مهنة العمارة حتى اتخذت من المهنة اسماً لها. ولد موسى عام 1931 في قرية الفاكهة قرب مدينة بعلبك.

   تتوارث الأجيال قصة العاشق الحالم صاحب القصر منذ عقود طويلة. فموسى أحبّ في صغره فتاة تدعى “سيّدة” وهي من عائلة ذات جاه وغنى. لكن موسى لم يعر اهتماما للفروقات الاجتماعية بينهما واعترف لسيدّة بحبّه. الا أنّ الأخيرة استهزءت بمشاعره وقالت له الجملة التي بنت له حلمه “حين تمتلك قصرا يمكنك أن تتحدّث الي”. وفي إحدى حصص الرّسم، طلب الأستاذ من تلامذته أن يرسموا عصفوراً على شجرة. لكنّ موسى لم يفعل ما طلب منه، بل رسم القصر الذي وعد حبيبته به. فاستهجن الأستاذ ما فعله، وسأله إن كان هذا القصر المتخيّل لأجداده. فأجابه بأنّه رأى ذلك القصر في حلمه. وأكّد له أنه سيراه مبنياً في الواقع. ظنّ الأستاذ أنّ موسى يستهزئ به، فانهال عليه يضربه بقضيب رمّان، ثم مزّق الرسم ورماه على الأرض. فلملم موسى قصره الممزّق وغادر متوعّداً بتحقيق الحلم.

   وبعد أيام، ترك موسى المدرسة والمدينة في 9 أيّار عام 1945 حاملا معه خريطة وخصلة من شعر حبيبته، وذهب مشيا من مدينة طرطوس السوريّة (حيث كان يعمل والده) الى مدينة صيدا اللّبنانية حيث كان باستقباله عمّه عيسى المعماري الذي كان يعيد تأهيل قلعة صيدا البحريّة. عمل موسى مع عمّه ومنه اكتسب الفنّان مهاراته المعماريّة. عمله هذا، إلى جانب الوظيفة التي حصل عليها في شركة الكهرباء، ساعداه في جمع 15 ألف ليرة لبنانية. بهذا المبلغ، استطاع أن يتزوّج ماريّا عيد ابنة قائمقام دير القمر (منطقة الشوف ـــ جبل لبنان)، واشترى قطعة أرض تبلغ ثمانية دونمات، في حين بقيت لديه خمسة آلاف لتحقيق حلمه.

   في عام 1962 بدأ موسى ببناء قصره حاملا الحجارة على ظهره. قال موسى لجريدة الأخبار: “نقلتُ 6540 حجراً ضخماً إلى موقع القصر، ما تسبّب لي بترقّق في العظام أعاني منه اليوم. كما تسبّب عملي في تقصيب الحجارة بإطالة يدي اليمنى سنتيمترين”. بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، بمشاركة زوجته، صار بإمكانه استقبال بعض الزوار الذين بدأ يلفتهم قيام هذه الحجارة المنحوتة والأبراج.

   أوّل من زار القصر كان الرئيس كميل شمعون الذي ساعده في الحصول على قرض بقيمة 60 ألف ليرة لبنانية ومنحه الجنسيّة اللّبنانيّة. هذه المساعدات وغيرها، إلى جانب رسوم دخول القصر، وبيع أشغال يدوية كان يصنعها هو وزوجته، مكّنت موسى المعماري من وضع حلمه قيد التنفيذ، ليستقبل الزوار والسائحين رسمياً في العام 1967. بعد هذا التاريخ، بدأ المعماري بصنع المجسمات والأدوات المتحركة التي تنتشر في غرف القصر وطبقاته الثلاث اليوم. نحت وجسّد 75 شخصية، هم أفراد عائلته وأقربائه وجميع الفلّاحين الذين ساعدوه في بناء القصر. أناط بكل شخصية حرفة، ليصبح القصر أشبه بمجتمع مكتمل الأركان. بالطبع، لم ينسَ موسى الحدث الهام الذي دفعه إلى تحقيق حلمه، فقال: “ذهبت إلى سوريا. أحضرت مقاعد الصف والسبّورة، وجسّدت مشهد الأستاذ أنور وهو يضربني أمام الطلاب.” (نقلا عن مقال في جريدة الأخبار بعنوان “موسى المعماري: العاشق الذي حلم بسيّدة القصر”).

   من أبرز ما قاله الفنّان العاشق: “أنا راحل غداً والقصر باق. قد يستفيد منه أولادي، لكنّه لن يكون لهم، سيبقى معلماً لبنانياً، شاء من شاء وأبى من أبى.”

Leave a Reply