الساحة الدولية، بين اﻹنعزال و اﻹنفتاح

نورهان عبد الصمد

المدققة اللغوية

     في العقود الماضية، تحرك قطار العولمة بسرعة غير مسبوقة، وفرض الانفتاح نفسه أمرا واقعا على عالمنا الجريح.

هذا التحرك السريع سبب الصداع لبعض ركاب القطار، وسحق كثيرين تحت عجلاته. حتى اليوم، لا يزال العالم  يحاول أن يستفيق ليعي ضخامة التغيير الذي حدث. فالجميع متفقون على وجود خلل في مكان ما، وبالتالي على ضرورة ﺇصلاح الواقع الحالي الذي يتأرجح بين القلق و الفوضى.

 في حين يُؤْمِن البعض بمقولة “داوني بالتي كانت هي الداء” و يطالب بمزيد من الانفتاح ، يرى آخرون ضرورة إصلاح الواقع الراهن بايقاف تدريجي أو حتى  آني لهذا الانفتاح. وهذا ما وضع تحت المجهر خيارين متناقضين: العودة الى التقوقع ﺃو كسر ما تبقى من الشرنقة.

    سرعان ما اتسعت رقعة هذا الجدل لتشمل معظم مناطق العالم، ولتمسّ مباشرة حياة الأفراد كما المجتمعات. فالفرد اليوم يعيش ﺃزمة وجودية بين ما كان عليه و ما سيكون عليه. ينازع للحفاظ على وجوده الذي يجد ﺃساسا له في الماضي، وما يحمله بين طياته من ثقافة وقناعات ومبادئ وعادات ترتسم في ضوئها هويته. ولكنًّه يريد في الوقت نفسه ﺃن ينشئ كيانا له في هذا العالم المتحول. في ذلك يكمن الصراع الداخلي بين التقليد والتجديد في ظل الخوف من الاحتراق بشمس التجديد والخوف من التجمد في الماضي بعيدا عن دفء ﺃشعَّتها.

هذه صورة مصغرة عن دول بدﺃت تشهد صراعات وتناقضات، وعن شعوب وجماعات بدأت تستشعر التهديد. فالشعوب تبحث عن حكمها الذاتي ﻷنَّها بدأت ترى للعولمة وجهًا الغائيًّا لثقافتها، و بالتالي لبقائها. اذا يمكن التحدث عن داء “قلق وجودي” يستشري في أنسجة الدول، ﻷنَّ العولمة فرضت نفسها بقالب الغائي استغلالي على عالم لم يستعد لها بعد، فزادت من اختلال توازنه، وعمقت من جراحه.

    فأحلام الوحدة العربية مثلًا، بددتها ﺃشباح اﻹنقسامات والنزاعات، فبدل اﻹنتقال من الدول الى الدولة الواحدة، ها نحن ننتقل من الدول الى الدويلات المشتَّتة. حيث تشكّل الساحة العربية مسرحًا رحبًا لمشاريع التقسيم والتفرقة …

   ﺃمّا في ﺃوروبا، فقد تعالت الاصوات الداعية للخروج من الاتحاد الاوروبي بعد نحو عام من “البريكزيت” الذي ما زال مضعضعًا ، و تلك المطالبة بسياسات حمائيّة لحماية ﺇنتاجها المحلي، ومكافحة البطالة عبر إعطاء اﻷفضليّة لمواطني البلد، والتحوُّل الى عملة وطنية… كل هذه المسائل هي تعبير مبطَّن عن قلق متزايد، وقد جاء ﺃخيرًا ﺇعلان استقلال “كتالونيا” كواحدة من حمم هذا البركان المتاجج التي ظهرت الى السطح.

   في سياق آخر، جاءت الأفكار اليمينيّة المتطرّفة لتعتاش على قلق المواطنين، وتسوّق للانعزاليّة تحت ذريعة حماية الوطن     والحدود والثقافة. في حين يتفاءل البعض بهزيمة هذه الحركات في العديد من الدول الأوروبيّة، ينسى كثيرون لُب المشكلة. فبزوغ الأحزاب المتطرفة دليل قاطع على وجود عواصف من الغضب تعتمل في قلوب وضمائر الجماهير التي تعتاش العولمة من مالها و لقمة عيشها. الخطير في اﻷمر، ﺃنّ الأحزاب اليمينية تموّه الواقع، فتصوّر للمواطن ﺃن العدو هو الآخر الذي يختلف عنه … فينشغل الانسان بحرب عبثية ضدّ ﺃخيه الانسان عن عدوّه الأساسي، وهو هذا النظام العالمي الصدئ الذي انتهت مدة صلاحيّته منذ زمن ولكنّ البشرية اعتادت ان تعيش على رفات الاشياء – و ان ترمّم الف مرة عوضا عن ﺃن تهدم وتبني من جديد. كلّ ذلك هباء منثور ﻷنّ السوس ينخر في الجذور، وما عسانا اليوم ﺇلا ﺃن نخطّط لعالم آخر فهذا العالم يلفظ ﺃنفاسه اﻷخيرة. فيا ليتنا نستبدل هدر الجهود في محاولة ﺇحياء عالم كتب له الموت، ببثّ الحياة في ﺃوردة حلم يتوق ﺇليها … هذا الحلم هو مشروع عالم الغد.

     اليوم، ترتسم ملامح تواصل من نوع آخر يتخطى مفهوم الدول ، شبكة تواصل بين الأفراد عابرة للحدود بفضل الثورة التكنولوجية… المطلوب الْيَوْمَ ليس مزيدًا من اﻹنفتاح ولا مزيدًا من اﻹنغلاق بل مزيدٌ من التروي لاستعادة التوازن حتى تتحرك العولمة بشكل سليم.

Leave a Reply