خطّة ماكينزي

وائل عيتاني

محرّر قسم الآراء

وقّع مجلس الوزراء اللبناني الشهر الفائت عقدًا مع شركة “ماكينزي” للاستشارات الإداريّة بهدف الاستفادة من خبرتها لإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني. ووفق ما تذكره جريدة الأخبار، فإنَ جزءًا من فريق العمل المكلّف كان قد عمل سابقاً مع شركة أخرى كلّفتها الحكومة إعداد خطّة مماثلة عام 2010. بينما يمتدّ عقد الـ2018 على مدار ستّة أشهر وسيكلّف الدولة اللبنانيّة مبلغاً قدره مليون وثلاثمئة ألف دولار.

وفي حين يعترض بعض المسؤولين في الدولة على قرار تكليف شركة أجنبيّة، لا بل أمريكيّة، لوضع خطّة مصيريّة للبلاد، يقول البعض الآخر أنّ 90% من فريق العمل هم لبنانيّون، وأنّ استقدام شركة أجنبيّة يعطي الحكومة اللبنانيّة مصداقيّة دوليّة. أضحت الخطّة التي ستقدّمها الشركة أزمة قبل أن تولد، وهي التي ينتظرها الكثير من التحدّيات في أوّل بنود عملها، فلازمٌ عليها تحديد الهويّة الاقتصاديّة في بلد يحتمي فيه التجّار بالزعامات الوطنيّة، وتخفي التقيّة فيه دولة ظلّ وسياسات اقتصادية رماديّة. وهو، وفق إحصاءات البنك الدولي، ثلثه فقير، واثنا عشره يعاني من الفقر المدقع، لا يحتمل التعويل على خطط ترويجيّة. وهي الدولة التي، تقبع على مشارف الصفة النفطيّة، في الوقت نفسه الذي تدين فيه بأكثر من مئة وخمسين بالمئة من ناتجها القومي. إلّا أنّ سعر صرف عملتها ثابت، و هي عصيّة على الأزمات والإصلاح الاقتصادي.

أما ماكنزي وغيرها من شركات الاستشارات الإداريّة، فقد ظهرت بعد الثورة الصناعيّة، كما يذكر “كريستوفر ماكينّا” في كتابه “أجدد مهنة للعالم”، وذلك لتصحيح البيروقراطيّة الهندسيّة التي مكّنت الموارد البشريّة، ثمّ ما لبثت أن أخذت مجدها بعد الحرب العالميّة الثانية مع بزوغ فجر التقنية الصناعيّة.  وقد شهد العالم، بعد أقل من عقد، ثورة إداريّة بدأت بمحو الهيكليّة وتعزيز التشاركيّة. فمؤخرّاً، بدأنا نرى نمطُا وظيفيُا جديدًا في المدير الاستشاري بدلاً من المستشار الإداري.

هذا يعني أنّ ظاهرة شركات الاستشارات الإداريّة نجحت، وبذلك خفّضت حاجة السوق إلى خدماتها. فوفق رئيس قسم الإدارة في جامعة بريستول، “آندرو ستوردي”، تتوسّع هذه الشركات اليوم خارج نطاق الاستشارة ومتابعة التنفيذ نحو المراهنة بأرباحها في عقود التنفيذ، إلّا أنّها لا زالت تمتلك مقوّمات تجعل من خدماتها تنافسيّة، كامتلاك حقل واسع للمعرفة المحتكرة من مشاريع مع عملاء سابقين من شركات ودول. فحتى حين يتّهمها البعض بتقديم الحلول البديهيّة، تقابله هي بمصداقيّة لكونها فاعلة خارج إطار المشكلة، بنظرة موضوعيّة، ونجاحات مشهودٌ لها بها.

أمّا وزير الاقتصاد والتجارة، فيرى أنّ المشاريع الحكوميّة، أو على الأقل الموازنة، تفتقر إلى نظرة طويلة المدى،فهي تمتد لا لعشر سنوات، ولا لخمس ولا حتّى لثلاث. ومن غير الواضح كيف ستؤدي خصخصة وتلزيم الخطّة الاقتصاديّة لخبرات غير حكوميّة إلى استدامة التنمية.

قد يكون العقد، كما تذكر أحد الصحف المحليّة، لدراسة انتخابيّة لا لخطّة اصلاحيّة. إلّا أنّ رقم المليون وثلاثمئة لن يكون القشّة التي ستقسم ظهر البعير في ميزان تجاري مكسور أصلاً بحوالي اثني عشر مليار، فمن شرب البحر لن يغصّ بكوب ماء.

Leave a Reply