ذكرى تحرير صيدا… درس عن حب الوطن

أحمد عرابي

محرّر قسم الأخبار

   لم يمرّ يوم 16 شباط عام 1985 كغيره عند جيش الاحتلال الاسرائيلي في مدينة صيدا. فالمدينة التي ناضلت وقاومت لحوالي سنة وثمانية أشهر أبت أن تظلّ تحت رحمة الميليشيات “العميلة” وقوّات الاحتلال الى أن تحرّرت على أيدي مقاوميها.

   في 3 حزيران 1982، حدثت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن “شلومو أرغوب”، فتذرّعت إسرائيل بهذه الحادثة لشنّ حملةٍ هدفت لاحتلال الأراضي اللبنانيّة. بدأ القصف الاسرائيلي فجر الخامس من حزيران على أهداف لبنانية وفلسطينية تمهيداً لعمليّة بريّة بدأت في السادس من الشهر نفسه. ليل اليوم التالي، قامت القوات الاسرائيليّة بإنزال بحريّ واسع النطاق عند منطقة “جسر الأولي” عند مدخل مدينة صيدا الشمالي، ونجحت في التمترس هناك، لكنّها لقيت مواجهة شرسة من المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين الذين تواجدوا عند المرتفعات الشرقيّة في منطقة “الشرحبيل”. وفي الوقت نفسه، كانت القوات الاسرائيلية تقوم بإنزال جوي عند تلة “الشرحبيل” ومنطقة الزهراني وتقدمت برًّا في جزين باتجاه المدينة، فتجمّعت القوات الاسرائيلية بعد تشتّتها أبّان الملحمة التي واجهتها عند الأولي، وشددت القصف على منطقة “الشرحبيل” فتمكّنت من احتلال التلّة. كان ذلك اليوم بداية لاحتلال إسرائيلي وحشي لمدينة صيدا.

   بعد احتلال “الشرحبيل”، بدأ جيش الاحتلال حملة قصف وحشيّة استهدف خلالها أماكن سكنية ودراسية منها بناية “جاد” حيث استشهد حوالي 125 شخصًا، ثمّ المدرسة التكميلية في منطقة القناية حيث استشهد 245 شخصًا والمستشفى الحكومي ومنطقة البركسات السكنيّة حيث ذهب ضحية هذه الاستهدافات حوالي 365 مدنيّا.

   الا أنّ أهل المدينة رفضوا الوقوف مكتوفي الأيدي، فشهدت المدينة معارك بطوليّة عدّة ومقاومة شرسة سطّرها المقاومون على اختلاف أعمارهم. وفي 18 كانون الثاني 1984، قام الفتى “نزيه القبرصلي”، ذو الاربعة عشر عاما  بعملية بطولية قتل فيها جنديّا اسرائيليّا وجرح ثلاثة ثم استشهد من بعدها. وكان قد سبق هذه العملية في 27 كانون الأول 1983 استشهاد المقاومين “جمال الحبّال”، “محمود زهرة”، و”علي الشريف” بعد مواجهات عنيفة قتل فيها ضابط اسرائيليّ وسبعة جنود.

  ومن الأشخاص الذين برزت أسماؤهم في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي الشيخ “محرّم العارفي” الذي يقال عنه أن جنديّا اسرائيليّا سأله في معتقل أنصار عمّا ينوي القيام به بعد تحرّره من الاعتقال فأجاب “سأجاهد في سبيل الله حق جهاده”، الأمر الذي أغاظ العسكري الاسرائيلي وبرهن شجاعة أهالي المدينة في مواجهة أعدائهم.

يروي أحد أهالي المدينة لأوتلوك: “ما زلت أذكر حين نزل الارهابي “آرئيل شارون” عبر طائرة هيليكوبتر أمام سراي صيدا وعيناه تشتعلان نارا جرّاء الخسائر التي منيوا بها. ولشدّة غضبه، ضرب يده على حائط المبنى المواجه للسراي متوعّدا بالانتقام”. كانت الكثير من المواجهات التي دارت مع جيش الاحتلال الاسرائيلي فرديّة، لكنها لقّنتهم درسا لن ينسوه أبدا في حب الوطن. ففي 16 شباط 1985 انسحب جيش الاحتلال ذليلا من أراضي مدينة صيدا جارّا خلفه أذيال الخيبة،  بسبب العمليّات البطوليّة الكثيرة التي واجهته في كافة مناطق المدينة لا سيما في شارع رياض الصلح، ساحة النجمة، ساحة الشهداء وشارع دلّاعة.

   في ذلك اليوم، كتب أهالي صيدا بدم شهدائهم على جدران المدينة أن لا مكان ولا مأوى للاحتلال فيها. فقد تحرّرت صيدا على أيدي مقاوميها الذين ضحّوا بالغالي والنفيس لتطهير كل شبر لبناني نجّسه الاحتلال بخبثه وكراهيته. فكانت بذلك صيدا مضرب مثل في الشجاعة والوحدة في مسيرة تحرير الوطن.

Leave a Reply