على طرقات الموت

لورا الحلبي

كاتبة صحفيّة

ولا يكاد يمر يوم إلّا ونسمع صوت أنين الأمّهات على فراق فلذات أكبادهنّ. شباب بعمر الزهر تخطفهم طرقاتنا غير المؤهّلة  وغير الصالحة للقيادة. ناهيك عن حماس شباب متهوّر. وكفى بالموت، مع الغياب والعذاب، واعظاً قبل أن تهجر الأرواح الأجساد.

بين البكاء، والضياع والفقدان، أين ذهبت يا روحاً سكنت جسد الأحباب؟ كيف نبكي من علّمنا السلوان والرضى بالقضاء؟ استغفلك الفراق، فاستعجلك الغياب. لماذا لم تودّع عيوناً اعتادت عنك السؤال؟ ما زلت أنتظر صوتك وضحكتك على الباب. ما زلت أنتظر لهفتك وقبلاتك. ما زلت أخاف النظر إلى غرفة قد تكون خلفك.

ما زلت ضعيفة أخاف البكاء. ما زلت أتمعّن في وجوه الموتى وأسأل أين أرواحهم؟ ما زلت صغيرة لا أفهم ما معنى الموت و الفراق. أأنت طفل الآن؟ أو أنّك تتنعّم بجنّة الرحمن؟ فراقك حدّ حدّ العذاب. ماذا تفعل روحك الآن؟ كيف يموت الإنسان؟ نحن ضعفاء جدا. اليوم، مضى عام، وما مات السؤال. أين روحك؟

تزورني طفلاً بالمنام. تظهر لي طيفاً في كلّ مكان.

تقف الأمّ مصدومة. على باب الطوارئ، تنتظر سيارة الإسعاف. سمعت بأنّ شاب اصطدم بحاجزٍ اسمنتيّ، محاولاً الهروب من سائق مخمور. يقول الأب:” ابني روني بخير”. يردّدها ويردّد على مسامع الجميع:” سليمة انشالّه” ثمّ يطأطئ رأسه. يخفي دموعه في حين تبكي هي حظّها، تناجي ربّها، تصطنع القوّة. الأب تنهكه التساؤلات فيتّئك على الحائط، تحت إشارة الطوارئ. أيلوم نفسه أم طيش الشباب؟

يفرض الأب صمت هيبته فيما تلحّ الأم بالسؤال. “روني، ابننا، وحيدنا، مأوى عجزنا، روني، أين هو؟”. لا تُهمس أيّة إجابة، وعجز الأب يصحبه سكون، ويخالطه الخوف ويعرشه جهل المصير. ويهشّم زمّور الإسعاف تمتمات الخواطر وسكوت كلّ منتظر، فيملأ صراخ الأم الأثيم: “أروني هنا؟”.

ولكن وجوه المسعفين لم تسعفها. أنزلوا هلال من السيّارة، وتركوا وراءهم أسئلة أمّ صديقه. حاولت سؤال من غطّت وجه الكدمات ولوّن النزيف رأسه، لكنّه هلال لم يستطع البوح بكلمة، فكأنّما هو فاقد للوعي، ينازع لالتقاط أنفاسه كأنّما وطأت أجنحة عزرائيل على صدره.

وصلت سيارة إسعاف أخرى وقد بهتت دقّات إنذارها وانطفأت مصابيحها. غصّ قلبها، جلست هامدة على حافة الرصيف، تبكي وتدعو ربّها: “اعتدت رحمتك فارحمني”. جاشت بالنحيب وكأنّها أدركت أنّها ثكلت، كأنّها وحيدة في ظلام الدجى حين أبصرت أن روني توفّته المنية، ففقدت جزءاً من روحها ومن كيانها إلى الأبد. فقدت من ترعرع في أحشائها قبل أن تعلّمه خطواته الأولى ويخطو بعيداً عنها وعن بيته وعن حياته وعن بدنه.

ترجّل المسعفون من العربة والحمّالة يسكنها شاب في كيس أسود. وجوههم جامدة وكلماتهم غائبة. قتل الشاب في حادث سير على جادّة أترعتها الحفريّات، خاوية من المصابيح. قتل الشاب في حادث سير مرعب، ما رأى منه إلّا الميتة وسط الظلام الحالك. قتل الشاب باصطدامه بحاجز اسمنتيّ، هارباً من سائق مخمور.

“هل هذا روني؟ هل رأيتم روني؟ بنيّ ذو الشعر بني والعيون الخضراء، هل رأيته؟” لا أحد يجيب، وكأنّ سكوتهم يزهق الشكوك.

شعر أبو روني أنّ هذا الدم يسيل من عروقه عروقه فوق البطّانيّة، أنّ دمه ينزف من ذاك الجسد، أنّ روحه، التي أثقلت كاهله، تخترق أضلعه وتمزّق صدره.

رأى وجه ابنه وكأّن الربّ رسم قبلةً بدمه على جبينه. صمت الوالد، وفي صمته صراخ السنين يعانق أنين الوالدة في الكارثة.

روني توفتّه المنية، ومعه مات الدار، وذبح الفرح ونفيت أحلامه. مات الواعي هارباً من الثمل، في عتمة طريق الوطن، بين الحفرة والحائط. ومن نجا أصابه شلل رباعيّ.

طرقاتنا قنابل موقوتة تهددّ شبابنا وتطرحهم صرعى على دروب الموت. فيموت بنو الحياة على طرقات تبرّت منها إعادة التأهيل.

Leave a Reply