في رحلة صيد خلف الحدود

روان البتلوني

المحرر

ضمّةٌ، فدمعةٌ، فسلامٌ حار، ثم خطوات سريعةٌ يرافقها أنين من نوع آخر. هو صدى عجلات حقيبة تتزلج بسرعة في باحة واسعةٍ مكتظة بالمسافرين. حقيبةٌ قد لملمت من ذكريات الماضي القليل، البعض من مقتنيات الأمس، أماّ الشوق والألم والحيرة فقد حبست فيها منهم الكثير. حقائب كثيرة تتشارك الدرب هذه ذاتها، ولكن قصّة من خلف الحقائب تغوص الى بعد آخر. من حكاية الطير الذي  يوشك أن يحلق بعيداً خارج سربه، الى رواية العائلة التي فقدت غصناً من أغصانها، تبقى الخلفيّة الأشمل والأعمق للمشهد هذا، قصة وطن يحتضر. لا، هي ليست الحرب الأهليّة من جديد، وليست حرباً اسرائيليّة أيضاً، هي غربةٌ ليست في سبيل العلم والخبرات، كما وليست من أجل الراحة و الاستجمام. هي رحلة الألف الميل في سبيل لقمة العيش، رحلة صيد عابرة للبلدان والقارات، صيد عمل، بعدما شحت المواسم في الوطن الأم. لن أغوص اليوم في عالم المجاز و العواطف لأحوّل النكبة الى نهضة و الندبة الى يقظة، فنحن بصراحة لم نولد لصيد اللؤلؤ المكنون في أقصى بقاع الأرض كما يدّعون، ولم نكن بطموح أكبر من حجم الوطن لنبحر بعيداً عن بره طلباً للعلى. نحن ببساطة شعب كسائر الشعوب ولكننا ولدنا في ظروف ليست كباقي الظروف. هي الأحوال و الأقدار التي رسمت .مصيرنا…ولربما نحن سرّ علّتنا…كيف لا، ونحن نفسنا الذين سلّمنا أمرنا للسياسات الفاشلة و الأنظمة الفاسدة

لبناننا هذا، أيقونة الشرق والرائد العربي أواسط القرن العشرين، كان لبناناً يختلف جوهرياً عن لبناننا القائم فوق الرماد اليوم. في زخم التأملات و الأفكار هذه، تسير بي الذكريات الى خبر قصّه علينا معلّم الجغرافيا يوم كنت طالباً ثانوياً. قال يومها الأستاذ: “اتعلمون أن رئيس وزراء سنغافورة، أحد الدول العظمة اليوم، صاحبة أحد أقوى اقتصادات العالم، والتي تخلت عنها ماليزيا يوماً بسبب فقرها، قد خاطب شعبه يوماً واعداً اياهم بأنه سيصنع منها لبناناً آخر يكون جنوب شرق آسيا؟ ضحكنا جميعاً يومها بعد أن خيّلت الينا صورة فيها مشنقة الرئيس تتأرجح بجسده المضرج بالدماء في ساحة عامة لو أن شعبه آنذاك كان يعلم  بلبنان و بأحواله اليوم… خبر قد يكون طريفاً الى حد ما، ولكنه خير مثال على واقعنا المضحك المبكي هذا فسنوات عديدة كانت كفيلة بأن تتحوّل ضحكة الطالب في داخلي الى غصّة لا تخلو من الغيض والعتب. اليوم يسير القطار الى ما وراء الحدود وعلى متنه، طلاّب، عمّال، أدمغة ومفكرين، كما ومهاجرين دائمين، الى المنفى البعيد. يسير الجميع ويجر كلٌّ خلفه آلاماً وان خفيت عن العلن، استوطنت القلب وما تركته ابداً. نحاول أن نبدل الواقع لوقف هذا النزيف، ولكن ما باليد حيلة. فكيف لشعب من دون موازنة، بلا خطة اقتصاديّة، بتوترات وتشنجات دوريّة ، وبقطاعات بعضها ميّت وبعضها الآخر على فراش الموت، أن يحدد سياسة جديدة تكون شرارة الحرب في وجه البطالة؟ كيف يمكن لهكذا بيئة أن تكون تربة خصبة للاستثمارات الجديدة والتطوير والانماء؟ أمّا بالغوص أكثر بالتفاصيل، فتولد اسئلة أكبر وأخطر، كدور المحسوبيات الطائفيّة والحزبيّة في توزيع الوظائف الحكوميّة والخاصة على حد سواء. ان حلّ معضلتنا هذه التي باتت تقف جداراً منيعاً في طريقنا نحو نادي الدول المتطوّرة المتخذة من طاقاتها وخبراتها محركاً يدور بعجلة الاقتصاد، لا يكون بين ليلة وضحاها، ولكنه حتماً يبدأ بالعمل على النهوض بالقطاعات كافة بالتوازي دون قتل احدها على حساب آخر، كما وبتوجيه الجيل نحو اختصاصات يتوق اليها الوطن فيكون قادراً على استيعابها بدلا من أن يلفظها خارج اسواره. اماّ الجزء الأهم، فيبقى  في استئصال المرض الذي يسكن نفوسنا قبل نظامنا، من تبعية ومحسوبية وطائفية وتكريس لسلطة زعامات تكون الآمر الناهي في شؤون المواطن. اليوم، وبينما نجلس بانتظار تحقيق هذا وذاك، النزيف مستمر، ونحن الى الخلف، كما دوماً، سائرون…

Leave a Reply