لمن لا يعلم : فان رقم 4 يصلح للتّأمّل

ناهية كنج

كاتبة صحفيّة

هي رحلة قسرية تفرض عليك كل صباح ان كنت من رواد فان رقم 4 . رحلة تبدأ من ضواحي المدينة و اطرافها المهملة و تنتهي في عاصمتها حيث البياض الناصع المزيف.

رحلة الألف ليرة و ان كنت لا تصدّق، قد تدفع البعض لتأمل كل  التفاصيل و المحطات: من ﺃحذية الفقراء  الى علوّ السراي الحكومي   ومجده.

انها ليست بحافلة فقط، بل هي جلسة لبنانية بامتياز وان تخلّلها بعض الزوار الأجانب. جلسة يتفنّن كل من فيها التحليل و النقد السياسي. بالتعبير عن يأس جماعي من تغيير قد يطرأ  بعد الانتخابات .جلسة  لمشاركة الهموم والخيبات. كسائق يروي لأحد ركابه عن شهادته الجامعية وكيف أضحت من دون فائدة في ظل أوضاع البلاد. هي جلسة تكتشف فيها ﺃنّ الوفاق الوطني ما زال حلمًا فتسمع على لسان أحد الركّاب ” ﺇنّها طائفة بلا أخلاق ” . جلسة فيها الفقير المتأمل في السماء و كأنّه يبحث عن سبيل نجاة و فقير آخر لا يكفّ عن العبث بندوبه و ندوب الآخرين. حافلة تجمع الصالح الذي يغلق باب الفان وراءه ( على حسب ذمة السائق)  و الطالح كالذي يتهرّب من دفع الأُجرة لصاحب الحافلة لفقرٍ في نفسه أشدّ من ذاك الذي في جيبه. جلسة تدفع قارئي الجدران و اللوحات الاعلانية للضحك تارة و الثورة تارة اخرى. فمن بعض المشاهدات الطريفة من فان رقم 4  هي عبارة كتبت على لوحة لأحد محال الاقمار الصناعية ” سطح الذين لا سطح لهم ” . كما  عبارات أخرى قد تبث في النفوس اثر الحياة الخالدة ” سنخلع الموت من اقدامنا          ونمشي حفاةً الى الشمس. “

يبقى الصخب مرتفعًا حتى تطأ الحافلة أعتاب العاصمة. فإذ بصمت يخترق الضوضاء فيمزّقها قطعاً ضعيفة ومرتجفة . كيف لا وهي دار الحكام الذين بايعوهم وباعوهم أعناقهم منذ زمن طويل . حكام ورثوا السلطة عن آبائهم فراحوا يبيعون الوطن و كانّه حقهم من الميراث. اما المواطن فيُؤخذ مجانا “على البيعة”.

هكذا هي الرحلة الى المدينة كل صباح ، على متن فان رقم اربعة . و تنتهي بانصراف الجميع الى تأمين لقمة العيش ناسين كل ما قالوه عن فقر و مأساة . فتنتهي  هنا و تبقى الحافلة المكان الذي يودّع فيه الجميع  شكواهم و انتقاداتهم.

Leave a Reply